ضع اعلانك هنا

ما هو بيت الطاعة؟

بين جدران المحاكم، تظهر العديد من القصص المؤلمة عن العلاقة الفاشلة بين الأزواج، ولعل مفهوم "بيت الطاعة" من أكثر الأمور نفورًا بالنسبة للمجتمعات؛ لما تتضمنه الكلمات من وقعٍ صادم على الحقيقة التي تعيشها الزوجات.

إن العلاقة الزوجية الصحية، تعتمد في المقام الأول على المشاركة والصداقة، والرغبة في الحصول على ذلك المستوى من العلاقات يدفع العديد من الأزواج إلى اتخاذ أغرب القرارات وأصعبها؛ فمنهم من يضطر إلى التجاهل من أجل مرور الوقت العصيب، وعلى جانب آخر، نجد من يلجأ إلى دعوى الزوجة إلى "بيت الطاعة".

تراود الكثير من الأزواج أفكارًا وردية عن مفهوم الحياة السعيدة، ومتطلباتها؛ إلا أن الواقع يفرض نفسه وبقوة، عندما يجبرهم على وضع المشاعر والأحاسيس جانبًا، مع تبديد المعتقدات الوهمية التي تدور حول الحياة الزوجية؛ إذ إن الصورة الذهنية التي يرسمها الأزواج _ في السنوات الأولى على وجه الخصوص _ لا تمت للحقيقة بصلة.

وبين حالات كثيرة تشهدها محكمة الأسرة يومًا تلو الآخر؛ فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة؛ خاصة في ظل التطور الذي يعيشه العالم في اللحظة الراهنة، هو: "لماذا يرفع الزوج دعوى استدعاء زوجته إلى ما يُسمى ببيت الطاعة؟، وما هو بيت الطاعة في الأساس؟"

ما هو بيت الطاعة؟

قد تكون السينما المصرية والعربية حرصت على الرد على هذه التساؤلات خلال العِقد الماضي؛ إلا أنها بثت الرعب في النفوس بعدما أكدت أن هذا القرار القانوني يدفع الزوج لمعاقبة زوجته بشتى الطرق، ومازال الواقع يشكل الصدمة الكبرى لكل فتاة تُجبر على خوض هذه التجربة. إذن ما هو بيت الطاعة؟

للرد على هذا السؤال، يجب أن نتطرق إلى القوانين والشرائع التي يتبعها المجتمع؛ فبيت الطاعة يعتبر إجراءً قانونيًا يعطي للزوج الحق في إجبار زوجته على العودة إلى "بيت الزوجية". إذن فهو إجبار قانوني على عودتها إلى منزلها بعدما تركته؛ وهو ما يختلف عن كل النصوص الدرامية.

ينص قانون دعوى إلزام الزوجة بالطاعة على العودة إلى منزلها، وفي حالة امتناعها عن التنفيذ، فإنها تعتبر "ناشزًا"؛ وبالتالي تفقد كل حقوقها من مؤخر ونفقة.

لكن عند التطرق إلى مفهوم بيت الطاعة ومواصفاته، يجب أولًا أن نذهب إلى مفهوم كلمة "ناشز"؛ فما هي الزوجة التي تعد ناشزًا من وجهة نظر القانون والشريعة؟

إن الصورة التي قدّمتها الدراما عن بيت الطاعة - حتى وإن اختلفت عن الحقيقة – تحمل جانبًا من الواقع بشكل من الأشكال، وهو إلزام الزوجة بالاستقرار في منزل الزوجية.

حق الزوج في رفع الدعوى

قالت نقابة المحامين المصرية إن خروج الزوجة عن طاعة زوجها يعتبر نشوزًا؛ وبالتالي فإن ذلك يُعطي له الحق في استدعائها إلى بيت الطاعة؛ وفقًا للقانون، علمًا بأن الأسباب التي تدعو إلى ذلك تتعدد وتختلف من أسرة إلى أخرى.

يعطي القانون كل الحق للزوج في رفع الدعوى على شريكة حياته؛ بسبب أمور عدة، أهمها:

الخروج دون إذن الزوج، بغير حاجة ضرورية، بينما يمكنها زيارة الأقارب في الحالات التي تتطلب ذلك سواء للعزاء أو المرض؛ حيث إن ذلك لا يعتبر نشوزًا.

العمل دون إذن الزوج.

عدم طاعة الزوج للقيام بالواجبات الدينية الأساسية.

التقصير نحو الأبناء والزوج.

رفض الزوجة تنفيذ قرار المحكمة الذي يُلزمها بطاعة الزوج.

وقد يذهب بعض القضاة إلى تطبيق أقصى العقوبات على الزوجة؛ والتي تتمثل في حرمانها من الزوجة مرة أخرى؛ نظرًا لاعتبارها ناشزًا في المقام الأول.

البحث في الأسباب

بدورهم، أكد علماء الاجتماع أن القانون يبدو في صالح الرجل - وهو الأمر المحير في الواقع – فدعوى استدعاء الزوجة إلى بيت الطاعة تتطلب بحثًا جيدًا في الأسباب التي تجبر الزوج إلى اللجوء لمثل هذا القرار؛ الذي يدفع بعض الزوجات إلى طلب الخُلع قانونيًا، بينما يواصل العديد من الأزواج تفضيل الانفصال رسميًا أو الطلاق على استدعاء الزوجة إلى بيت الطاعة.

والطاعة في القانون والشريعة تعتبر حقًا للزوج على زوجته؛ بشرط أن يكون أمينًا عليها نفسًا ومالًا؛ وفقًالدار الإفتاء المصرية. ورغم إصدار بعض المواد التي تقضي بعدم تنفيذ الحكم الصادر على الزوجة بالعيش في بيت الطاعة؛ إلا أن اللجوء إلى القضاء في أغلب الأحوال، يكون بهدف الصلح، أو الحكم بإسقاط حق الزوجة في النفقة أو السكن.

وأكدت دار الإفتاء أن مُسمى بيت الطاعة لا له وجود في الدين الإسلامي؛ فهو يندرج تحت فئة القوانين التي تعمل بها بعض الدول العربية استنادًا على قانون أوروبي قديم، يسعى من خلاله الزوج إلى إهدار حقوق زوجته المادية والمعنوية، علمًا بأن الشرع شدد على ضرورة توافر الرضا، المودة، والمعاشرة بالمعروف بين الزوجين.

تطبيق فكرة بيت الطاعة

وتم تطبيق فكرة إلزام الزوجة ببيت الطاعة في القانون المصري عام 1929؛ وفقًا للمادة رقم 25، ليؤكد على ذلك القانون رقم 100 لسنة 1985، حتى يعطي الزوج حق توجيه الإنذار لزوجته بعد حدوث خلاف بينهما، أو خروجها من البيت بغير رضاه، وبالتالي فإن الزوجة تُجبر على واحدٍ خيارين أساسيين؛ وهما إما العودة إلى المنزل، أو العودة إلى مسكن آخر يوفره الزوج.

ويشترط القانون المصري على الزوج أن يضع وصفًا للمسكن، على أن يكون خاليًا من أهله أو سكن الغير،أما إذا كانت الزوجة ارتضت عند الزواج مسكنًا برفقة الأهل، فليس لها الاعتراض؛ إلا إذا أثبتت تضررها بشهادة الشهود.

اعتراض الزوجة

أي أن الزوجة يحق لها الاعتراض على دعوى إلزامها ببيت الطاعة وذلك خلال 30 يومًا من رفع الدعوى ضدها، مع تقديم الأسباب المقنعة إلى المحكمة، سواء بعدم توفير مسكن ملائم لها، أو اعتداء الزوج عليها بالضرب أو السب، إضافة إلى غير صلاحية المنزل، أو تبديد الزوج للممتلكاتها. كما يعتبر عدم حُسن معاشرة الزوج سيء السمعة سببًا قويًا لاعتراض الزوجة على الدعوى الموجهة ضدها.

ولا يجوز للزوجة إضافة أسباب اعتراض غير السابق ذكرها، وتحال الدعوى للتحقيق مع الاستماع إلى الشهود، مع الالتزام بالميعاد المحدد، وهو من مواعيد النظام العام؛ حيث تقضى المحكمة من تلقاء نفسها بعدم الاعتداد به إذا ما خالف الاعتراض، الميعاد المحدد، وحينها يحق للزوج تحريك دعوى نشوز ضد زوجته.

وفي النهاية تصدر المحكمة قرارها إما بقبول الاعتراض، أو رفضه واعتبار الزوجة ناشزًا، ما يمنع الزوجة من الحصول على حقها في النفقة، بينما لا يمنع من حصولها على حضانة صغيرها.

الطريق إلى الاستقرار

وبين الشد والجذب الذي يحدث بين الزوجين عند رفع هذه الدعاوى؛ فإن بعض المنظمات الحقوقية اعترضت على ما يُسمى بإلزام الزوجة على العيش في بيت الطاعة بالقوة الجبرية، بينما تناقشها محاكم الأسرة - في الكثير من الأحيان - حتى تكون سببًا محتملًا لعودة المياه إلى مجاريها، أو بالأحرى فرصة أخيرة قد تنقذ الحياة الزوجية من الهلاك، وتفتح بابًا جديدًا للصلح؛ حفاظًا على الكيان الأسري بأكمله.

من جانبهم، يرى علماء النفس أن الحكم بإلزام الزوجة على سكن بيت الطاعة، لا يفتح طريقًا إلى الاستقرار؛ بل إنه يغلق كل أبواب العودة إلى سابق العهد، ويقضي على الفرص السانحة أمام المودة الأسرية كافة؛ فما يُكسر داخل وجدان المرأة لا يمكن إصلاحه مهما مر من الزمن.

وفي النهاية، إن دخول الأسرة إلى المحكمة لا يترك أثرًا إيجابيًا في النفس؛ حتى وإن كان القضاء يسعى لحل الخلافات؛ فالنزاع الأساسي يمكن حله بين جدران المنزل الواحد، وليس خارجه، ويظل "بيت الطاعة" شبحًا يؤرق الزوجة بواقع قد يهدد حياة الأسرة بأكملها.